الطيور على أشكالها تقع

الطيور على أشكالها تقع

أصبح حوض البحر الأحمر مرة أخرى مركز تنافس وصراع  توازن  بين القوى الكبرى التي تسعى لإجاد موطئ قدم لها لزيادة نفوذها في المنطقة.  عودة تهافت و تنافس هذه القوى الأجنابية في منطقة القرن الإفريقي من جديد بعد الحرب الباردة كان نتيجة الصراعات المستمرة بين بلادان الخليج،  بدايةً من عاصفة الصحراء و حرب اليمن(عاصفة الحزم)  و حصار قطر.  البحر الأحمر تمتلك أهم ممريين مائيين في العالم و هما مضيق باب المندب و قناة السويس الذينٍ  لهما أهمية إسترتيجية كبرى عسكريا وتجاريا،  و تمر بهما 20% من إمدادات النفط في العالم بالإضافة إلى التبادل التجاري الضخم و المتعدد الأغراض  بين أسيا و الدول الغربية.  و أن نشوب أي صراع أو مواجهات عسكرية في المناطق القريبة من هذين الممرين سيكون لها تأثيرات سلبية كبيرة  على الإمدادات النفطية إلى أروبا، و ما نراه اليوم من عودة  القوى الكبرى إلى المنطقة تحت مبررات و حجج كثيرة،  كان نتيجة قلق  تلك الدول عن أمن و سلامة مصالحها عبر هذين الممرين . فبعد حرب الخليج الأولى(عاصفت الصحراء) شرعت هذا القوى بإقامت قواعد عسكرية لها في المنطقة و بالتحديد في حيبوتي قرب مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر بحجة محاربة الإرهاب و حماية السفن التجارية من القرصنة. و توجد هناك خمسة قواعد عسكرية للدول الكبرى مثل فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية و الصين و اليابان و إيطليا، بالإضافة إلى القواعد العسكرية التي أقامتها بعض دول الخليج  كالسعودية و الإمارات في كل من جبيوتي و إريتريا التي  تستخدم حالياً في محاربة الحوثيين في اليمن.  لم تكتفي دول الخليج بهذه القواعد في السواحل الغربية   للبحر الأحمر بل تريد إقحام دول المنطقة بأكملها  في الصراع الدائر في منطقة الخليج. فمثلا شهدنا يوم الإثنين الماضي، السادس من يناير 2020 ، ميلاد تحالف جديد في العاصمة السعودية، الرياض تحت إسم مجلس الدول العربية و الإفريقية المطلة على البحر الأحمر بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز.  ويضم المجلس الجديد في عضويته السعودية صاحبة الفكرة و المستفيد الأول من خدماته، ومصر، و الأردن، واليمن ممثلا في حكومة عبدرب منصور هادي, و السودان، والصومال، وجيبوتي، وإريتريا(الدولة الإفريقية الوحيدة في هذا التحالف).إذا تفحصنا خلفية حكومات الدول المكونة لهذا المجلس نجدها تتكون من حكومات و أنظمة بعضها فاشل والبعض الأخر إستبدادي و ما جمع بينهم هو ليس مصالح شعوبهم بل الهاجس الأمني الضامن لإستمرار أنظمتهم و بقائها في الحكم إلى الأبد.  إن هذه الدول التي  تمثل محور الشر في المنطقة، تشعر اليوم بالخوف من النفوذ التركي و الإيراني المتزايد في حوض البحر الأحمر. أرادت السعودية أن تحمي مصالحها في المنطقة وخاصةً سفنها التجارية في مياه البحر الأحمر من خلال هذا التحالف الهزيل الذي لا يملك القدرة العسكرية حتى لحماية قوارب الصيد نهيك عن حماية ناقلات نفط عملاقة . هذه الأنظمة التي تحكم شعوبها بالحديد والنار ودون رضاها حتما ستزول مهما حاولت أن تبني دروع من الحلفاء لحماية عروشها المائلة. وإن هذا المجلس المقام حديثا ما هو إلا نسخة من تحالف عاصفة الحزم ومحور السعودية ضد دولة قطر الذي فشل في حربه في اليمن و في حصاره لقطر.  مجلس الدول العربية و الإفريقية المطلة على البحر الأحمر، رسمياً ولد مبهماً ودون أهداف محددة، و أن الجهة التى دعت إلى تكوينه لم تعلن عن هذه الأهداف بوضوح أكثر مما ذكره وزير الخارجية السعودي في تصريحه الذي قال فيه بأن مهمة المجلس ستكون مهمة تشاورية وتنسيقية في القضايا المتعلقة بالأمن و السلم في البحر الأحمر، حفاظاً على المصالح المشتركة لهذه الدول. كما أضاف الوزير السعودي، أن المجلس لا ينوي إقامة تحالف عسكري، مؤكداً على أن لدى كل الدول المنضوية تحت هذا المجلس قدرات دفاعية ذاتية للدفاع عن نفسها. لكن هذه الضبابية حول الأهداف التي دعت إلى تكوين المجلس و عدم الإفصاح عن غاياته الحقيقية، تتعارض مع الظروف السياسية و العسكرية الحالية التي تعيشها المنطقة و التي ربما لها صلة بطبيعة الصراعات و التحالفات الإقليمية و الدولية التي كانت تلعب فيها السعودية أدواراً أساسية. فإذا راجعنا الخلفية التأريخية للأدوار السعودية في تكوين المجالس و الأحلاف, نجد أنها دوماً  كانت تسعى لحماية نفسها من خلال تلك التجمات. ولذا نستطيع أن نشكك فيما قاله الوزير السعودي ونقول أن الغاية من إقامة المجلس كانت أمنية ودفاعية بحتة وليس تشاورية و تنسيقة كما ورد على لسان الوزير السعودي. في هذه المرحلة  يشعرون حلفاء أمريكا في منطقة الخليج بالخوف الشديد من الإنتقام الإيراني لإغتيال قائد فيلق القدس في الحرث الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني. وسبب الخوف هذا يرجع إلى وجود قواعد عسكرية أمريكية في أراضي بعض هذه الدول و البعض الأخر و رغم ضعفهم وعدم قدراتهم العسكرية في الدخول في مثل هذه الصراعات إلآ إنهم تعودوا على أن يغردوا مع السرب ضد إيران ولذا يخافون اليوم أن تستهدف الضربات الإيرانية مصالحهم في الممرات المائية الحيوية كالبحر الأحمر. وإن القدرات العسكرية الإيرانية أثبتت كفاءتها فى الوصول إلى أهدافها مهما كان مداها في مياه الخليج و البحر الأحمر.  وإذا إندلعت الحرب في هذا المنطقة ستكون المصالح السعودية أول من يعاني من نتائجها وحرب اليمن خير دليل على ضعف قدرات السعودية الدفاعية في التصدي للصواريخ الحوثية و هذا ما تخشى حدوثه السعودية و الدول الكبرى التي ترعى أمن و حماية المرات المائية وضمان تدفق الإمدادات النفطية إلى الغرب. أما إريتريا، الدولة الأفريقية الوحيدة في المجلس، و الحليف السابق لإيران والحوثيين،  و التي ألفنا عن ديكتاتورها إسياس أفورقي الغدر والخيانة والتخلي عن أصدقاء  وحلفاء الأمس و الدوران في مدار فلك كل حلف جديد لا علاقة له بمشاكل و واقع إريتريا وشعبها، هي الأضعف من كل النواحي بين الدول المجلس. ورغم أن إريتريا لها أهمية إستراتيجية كبرى بحكم موقعها الجغرافي المميز في القرني الأفريقي والبحر الأحمر وإمتلاكها شواطئ بطول 1100 كيلومتر، إلآ أن سياسات التخبط تارةً ولإنعزال تارةً أخرى التي ظل ينتهجا النظام الديكتاتوري خلال العقود الثلاثة الماضية من إستقلالها، قلصت من دورها و تأثيرها في المحيط الإقليمي و الدولي.  فقدت هيبتها العسكرية وفشلت في بناء إقتصادها وتطوير قدراتها البشرية وتراجع دورها من الريادة إلى الموالاة و الإنقياد خلف تحالفات الطغيان والإستبداد. وكلنا نعلم الأطماع الإماراتية الخبيثة  وسعيها للهيمنة على شواطئ إريتريا عبر أجنداتها الخفية مثل محاربة تنظيم الأخوان وشراء زمم أصحاب مراكز القوة و النفوذ.   ما يقوم به النظام الديكتاتوري في إريتريا من تحالفات لا تهم الشعب الإرتري في شئٍ هو جزء من الأنشطة التي يقوم بها لحماية نظامه المتهالك لكي يستمر في سياساته التدميرية الممنهجة عبر أجهزته الفاسدة حتى يكمل مهمته في شل القدرات الإقتصادية للبلاد و إفراغها من شعبها. وخير مثال هو حال المدن و القرى الإريترية التي طالتها هذه السياسات وحولتها إلى أطلال و بيوت أشباح يرتعب منها كل من يزورها بعد أن تم تهجير سكانها. ليس لدى الشعب الأرتري مصالح يحميها من خلال مثل هذا التحالف الهش. مايحتاجه الشعب في إريتريا في هذه المرحلة هو التغيير الديمقراطي الشامل لبناء وإقامة حكم رشيد يكفل الحريات و الحقوق ويجلب الرخاء و السلام و النمو الإقتصادي عبر إقامة علاقات تجارية شاملة تحسن من أوضاعه المعيشية و ليس تحالفات حروب وعسكرة. إن أي نظام لا يوفر الحياة الكريمة لشعبه لا يستحق أن يبقي ، يجب أن يرحل بقوة الشعب ويرمى في مزبلة التأريخ كمصير من سبقه في الإستبداد.
 شفا م/نور

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.